عبد الملك الجويني
392
نهاية المطلب في دراية المذهب
أن الحج دَيْنٌ من رأس المال ، أوصى به ، أو لم يُوصِ . فإذا قال : أحجّوا عني فلاناً بمائة - والحج حجُّ الإسلام - فالقول في ذلك ينقسم : فإن كان المائة أجرَ مثله ، ولم نجد من يحج عنه بأقلّ من ذلك ، واعتقدنا هذا المبلغ أقلَّ أجرة المثل ، فتنفذ وصيته ؛ فإنا لا ننكر أن يكون له غرضٌ فيمن عيّنه ، في تقواه أو ورعِه ، ووقوع دعائه موقع الاستجابة في تلك المشاعر المعظمة . هذا غرض بيّن ، فَلْتُنَفَّذ الوصية له . ولو وجد الورثة من يحج عنه بخمسين ، وكانت أجرة مثل ذلك الذي يحج [ خمسين ] ( 1 ) ، من غير احتياج إلى فرض مسامحة ، فالدَّين المقدم على الوصايا الخمسون ، لا غير ؛ فإن مقدار الدين من الحج أقل ما يجزئ . ولهذا ينزلّ الحج المحكوم [ بكونه ] ( 2 ) ديناً على الميقات ، كما قدمنا ذكرَه في أول كتاب الحج . ولكن إذا كان الثلث يفي بالخمسين الزائدة بعد حَطّ المقدار الذي لا بد منه ، فقد اختلف أصحابنا في أن مَن أجرته مائة ، إذا كان أجنبياً وطلب أن يحج بالمائة ، وقال ( 3 ) : قدّروا الخمسين وصيةً لي . فهل يجاب إلى ذلك والثلث وافٍ ؟ فمنهم من قال : يجاب إليه ؛ تحقيقاً لغرض الميت ، فربما كان تَوسّمَ فيه مقصوداً . وقد ذكرنا أن مبالغ الأُجَرِ إذا تساوت ، يجب تعيين من عيّنه إذا قبل ، فقد التحق هذا بما يجب تنفيذه على الجملة ، فلينفذ في الصورة التي ذكرناها . ومن أصحابنا من قال : لا يجاب إلى ذلك ؛ إذ لا غرض له فيه ، فإن [ الخمسين ] ( 4 ) قدرُ أجرته ، فلا نكلف الورثةَ بذلَ مزيد مال . وليس الآخذ متبرَّعاً عليه ، وهو بمثابة ما لو قال : بيعوا داري من فلان ، فهذا لا يعد من الوصايا . نعم إذا لم يحتج الورثة إلى بذل مال ، فيجوز التعويل على غرض الميت ، فأما مقابلة غرضه بمالٍ ، وليس المعيّن متبرَّعاً عليه ، فلا .
--> ( 1 ) في الأصل : بخمسين . ( 2 ) في الأصل : بلزومه . ( 3 ) ( ط ) : وقد . ( 4 ) في جميع النسخ الثلاث : ( المائة ) والمثبت تقديرٌ منا . يوجبه السياق .